القيادة الغائبة... وحكاية العرين المفقود
أخبار هنا العالم - القيادة الغائبة... وحكاية العرين المفقود/د.ثروت المعاقبة
كان يا مكان في قديم الزمان، اجتمعت حيوانات الغابة بعد سنوات من الاضطراب والخوف، واتفقت على اختيار قائد يقودها نحو الأمن والازدهار...... وبعد نقاش طويل، وقع الاختيار على أسد اشتهر بقوة صوته أكثر من قوة حكمته، وظنت الحيوانات أن هيبته تكفي ليكون قائدا ناجحا في إدارة المشهد.
في الأيام الأولى لإستلامه زمام القيادة، كان الجميع ينتظر قرارات تعيد النظام إلى الغابة التي فقدت فيها الانظمة والقوانين، لكن الأسد لم يكن يجيد سوى الجلوس على صخرة مرتفعة ويوجه اللوم والاتهامات على فوضى المكان وعدم اتباع النظام، وكان وقتها محاطا بمجموعة من الثعالب والضباع والقرود، يستمع إلى كلمات الإطراء التي لا تنتهي وينتشي بها.
كانت الثعالب تقول له كل صباح:
"أيها القائد العظيم، لم تعرف الغابة قائدا بحكمتك، وكل ما يحدث هو إنجاز يحسب لك فأنت أهل هذا الموقع."
وكانت الضباع تضحك بصوت مرتفع كلما تحدث أحد عن مشكلة، ثم تردد:
"المشكلة ليست في الإدارة أبدا، بل بمن يراها صارمة."
ومع مرور الوقت، صدق الأسد كل ما يسمعه، حتى أصبح يرفض سماع أي رأي يخالف المديح وأبعد كل من له صوت وآثر على عدم دخول أي من سكان الغابة عنده.
وفي أحد الأيام المشمسه، اقترح البوم الحكيم أن يسند كل عمل إلى الحيوان الأقدر عليه ضمن أسس ومعايير، لكن الثعالب سارعت إلى تشويه مقترحاته، واتهمته بأنه ينشر التشاؤم بين الحيوانات، فأُبعد عن مجلس القيادة بشكل نهائي وغير قابل للتفاوض.
أما النمر الحكيم، فقد عين أمينا عاما لشؤون الغابة، وظنت الحيوانات أن خبرته ستعيد الأمور إلى نصابها، لكنه اكتشف سريعا أن منصبه بلا صلاحيات، فلا قرار ينفذ إلا إذا وافقت عليه الثعالب والقرود، ولا توجيه يسمع إلا إذا راق للمقربين من حاشية الأسد، فأصبح يجلس خلف مكتبه، يوقع الأوراق فقط ويشاهد الفوضى تكبر دون أن يملك القدرة على تغييرها.
ثم بدأت مرحلة التلميعات الغريبة؛ فقد أصبح القرد مديرا لمخازن الغذاء لأنه يجيد التملق، وعين الضبع مسؤولا عن الأمن لأنه كثير الظهور بجانب ملك الغابة، وأسندت إدارة النهر إلى الثعلب لأنه يحسن الحديث، لا لأنه يفهم إدارة الموارد.
أما الحيوانات المجتهدة، كالنحل، والنمل، والقندس، فقد بقيت تعمل بصمت رهيب دون تشجيع، دون أن يسمع أحد صوتها أو يقدر جهودها، وكلما طالبت بالاستحاق والعدالة، قيل لها:
"أنتم لا تفهمون مصلحة الغابة كما نفهم نحن."
ومع مرور الأيام، بدأت آثار سوء الإدارة تظهر بشكل واضح جفت بعض الأنهار، وتأخر توزيع الطعام على المستحقين، وازدادت الخلافات بين الحيوانات، وهاجرت الطيور إلى غابات أخرى لتبحث عن لقمة العيش، بينما بقي مجلس الأسد منشغلا بالاحتفالات والخطب والعبارات الرنانة التي تتحدث عن إنجازات لا يراها أحد سواهم.
وفي كل اجتماع يحدث، كانت الثعالب تصفق بحرارة شديدة، وتقول:
"الغابة في أفضل حالاتها الآن، ومن يرى غير ذلك فهو ناكر للجميل ولا يدرك أهمية المرحلة."
حتى جاء يوم عصفت فيه عاصفة قوية جدا في الغابة، فسقطت الأوراق والأشجار، وتعطلت السبل بكل من فيها، واحتاجت الحيوانات إلى قيادة حقيقية توصلها لبر الأمان..... عندها اكتشف الجميع أن كثرة المديح لا تصنع قرارا، وأن المناصب التي منحت بالمجاملة لا تستطيع مواجهة الأزمات التي وصلت لها الغابة.
وقف حينها البوم الحكيم على غصن شجرة معتليا وقال:
"إن الغابة لا تسقط عندما تقل أمطار الخير، ولا عندما تشتد الرياح، بل تسقط عندما يقدم المديح والتطبيل على الحقيقة، والولاء على الكفاءة، والمحسوبية على الاستحقاق، ويصبح الناصح متهما بالفوضى، والمتملق مكرما ومعززا."
ساد الصمت بين الحيوانات، وأدرك الجميع أن هيبة القائد لا تكفي إن غابت الحكمة والإدارة الناجحة، وأن المسؤول الذي لا يملك صلاحيات لن يستطيع الإصلاح والتغيير، وأن المؤسسات لا تنهض بالمصفقين والمطبلين، بل بأصحاب الخبرة والضمير الحي.
ومنذ ذلك اليوم، تناقلت حيوانات الغابة هذه الحكمة جيلا بعد جيل:
"العرين لا يحميه زئير الأسد وحده، بل يحميه عدله وحكمته، واختياره للأكفاء حوله، واستماعه لصوت الحقيقة قبل صوت المديح."
مشاركة عبر:
-
كوكبنا السيّار: شعرة معاوية بين ذكاء التكنولوجيا والعلاقات العامة الإعلامية الإنسانية -
*وقف الحجز على الرواتب… خطوة إيجابية تستحق الاستكمال* * -
عندما تنتصر العدالة… تنتصر الدولة -
مستقبل اليمن ومساعي الجوار في ظلّ متغيّرات المنطقة -
التعليم بوصفه تحرراً في العصر الرقمي -
قبل تعديل قانون الضمان الاجتماعي… من يحاسب على ما أوصلنا إلى هنا -
الفائض العام... إصلاح إداري أم تصفية حسابات -
الأردن في كأس العالم 2026… عندما يتحول الحلم الوطني إلى حقيقة تاريخية -
العربيات يكتب: من السلط إلى كأس العالم... البطاينة أشعل الفكرة وأبيش تكتب الرواية -
رحلة تتجاوز الخبر.....الإعلام وصناعة التأثير/د.ثروت المعاقبة