Main Logo

اخبار هنا العالم

اخبار هنا العالم

الكرامة: حين انتصرت الإرادة وكتب الأردن صفحة العز في التاريخ


السبت   21:29   21/03/2026
الكرامة: حين انتصرت الإرادة وكتب الأردن صفحة العز في التاريخ

أخبار هنا العالم - يوسف الفقهاء يكتب: الكرامة: حين انتصرت الإرادة وكتب الأردن صفحة العز في التاريخ

في الحادي والعشرين من آذار من كل عام، تتجدد في وجدان الأردنيين والعرب ذكرى خالدة لا تشبه سواها، ذكرى معركة الكرامة، التي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل محطة مفصلية أعادت رسم ملامح الثقة والكرامة في مرحلة كانت فيها الأمة تبحث عن بصيص أمل بعد هزيمة عام 1967.

على أرض بلدة الكرامة في غور الأردن، وقف الجيش العربي الأردني، مسنودًا بإرادة صلبة وعقيدة راسخة، إلى جانب الفدائيين الفلسطينيين، في وجه هجوم إسرائيلي واسع النطاق. كانت المعركة اختبارًا حقيقيًا للقدرة على الصمود، في ظل تفوق عسكري واضح للعدو من حيث العتاد والعدة، إلا أن ما لم يكن في الحسبان هو تلك الروح القتالية التي تحلّى بها الجنود، والإيمان العميق بعدالة القضية.

مع ساعات الفجر الأولى، بدأت ملامح المواجهة تتشكل، حيث حاولت القوات المهاجمة تحقيق اختراق سريع، لكن المقاومة الشرسة قلبت المعادلة. لم يكن الجنود يدافعون فقط عن موقع عسكري، بل عن كرامة أمة بأكملها. ومع اشتداد المعركة، تكبدت القوات الإسرائيلية خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، ما اضطرها في نهاية المطاف إلى الانسحاب، في مشهد لم يكن متوقعًا في ذلك الوقت.

لقد حملت الكرامة اسمها بجدارة؛ إذ تحولت من اسم لمكان إلى عنوان لمرحلة جديدة من الوعي العربي. فبعد الإحباط الذي خلّفته نكسة حزيران، جاءت هذه المعركة لتؤكد أن الهزيمة ليست قدرًا محتومًا، وأن الإرادة قادرة على تغيير المعادلات مهما بدت الظروف صعبة.

لم يكن الانتصار في الكرامة عسكريًا فحسب، بل كان معنويًا ونفسيًا بامتياز. فقد أعاد الثقة للجندي العربي بنفسه، وأثبت أن التخطيط المحكم والقيادة الواعية يمكن أن يصنعا الفارق. كما عززت المعركة روح الوحدة والتكامل بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية، في صورة جسّدت معنى التضامن في أبهى صوره.

وعلى الصعيد الداخلي، شكّلت الكرامة لحظة إجماع وطني، حيث التف الأردنيون حول جيشهم وقيادتهم، مؤكدين أن الدفاع عن الوطن مسؤولية جماعية. أما عربيًا، فقد أعادت المعركة إحياء الأمل، ورفعت المعنويات في وقت كانت فيه الشعوب بأمسّ الحاجة إلى نموذج يُعيد إليها الثقة بقدرتها على المواجهة.

تمر السنوات، لكن ذكرى الكرامة تبقى حيّة لا يطالها النسيان. فهي ليست مجرد حدث في كتب التاريخ، بل قصة تُروى للأجيال عن الشجاعة والتضحية والإصرار. قصة جنود آمنوا بقضيتهم، فصنعوا من أرضهم ساحة مجد، ومن لحظاتهم تاريخًا خالدًا.

وفي هذه الذكرى، يستحضر الأردنيون تضحيات أبطالهم، ويجددون العهد بأن تبقى راية الكرامة مرفوعة، وأن تظل تلك الروح التي صنعت النصر حاضرة في مسيرة الوطن، تقوده نحو مزيد من القوة والثبات. فالكرامة لم تكن يومًا مجرد معركة، بل كانت — وستبقى — رسالة أمة لا تقبل الانكسار.


مشاركة عبر: