إدارة العقول أم إدارة القطيع
أخبار هنا العالم - إدارة العقول أم إدارة القطيع؟ /د.ثروت المعاقبة
في كل زمان ومكان، يظهر الفارق الكبير بين من يُخاطِب العقول ومن يلوح بالعصا ويضرب بالحجارة ...حشد العقلاء مهمة شاقة جدا وبطيئة، تتطلب حوارا وصبرا وشفافية، وتحتاج إلى من يقبل الاختلاف ويحتمل النقد والتصويب أما حشد القطيع، فهي عملية سريعة جدا لا تتطلب سوى راعٍ يجيد الصفير … وكلبٍ يتقن المطاردة، وحمار يحدد الاتجاه.
بين النموذجين تتضح ملامح الأوطان، ويُقاس فيها منسوب الوعي، وترسم خريطة المستقبل.
الإنسان الواعي في هذه الحياة القاسية لا يساق إلى فكرة بعينها، بل يقتنع بها، ولا يركض خلف صوت عال، بل يركض خلف حجة قوية وثابتة، لذلك فإن الاجتماع حول فكرة يستلزم بناء الثقة، ويتطلب تقديم بدائل واقعية، وفتح مساحات واسعة للحوار الإيجابي... العقلاء بالعادة لا يصفقون قبل أن يفهموا، ولا يهتفون قبل أن يتأكدوا أن الأمر صائب مئة بالمئة، ولا يبايعون قبل أن يسألوا: ماذا بعد؟ لهذا يبدو حشدهم معقدًا للغاية، لأنهم لا يكتفون بالشعارات والهتافات، بل يطالبون بالخطط والرؤية والرسالة، ولا يرضون بالصور الشكلية، بل يريدون النتائج فهم يركزون على المخرجات.
وفي المقابل، القطيع لا يحتاج إلى بيان محكم ولا إلى برنامج .... يكفيه إيقاع عاطفي مرتفع، وعدوٌّ متخيل، وشعار سهل الحفظ.... يُختزل العالم في ثنائية.. نحن وهم......ويُختزل التفكير في ردّة فعل واحدة..... هنا تتقدّم الغريزة على الفكرة، ويصبح الصوت الأعلى هو الأصدق، والغضب هو الدليل القاطع، والتكرار هو البرهان المصدق، وحين تتقدّم الغريزة، تتراجع المسؤولية.
التاريخ مليء بأمثلةٍ تؤكد أن الطريق الأسهل ليس دائمًا الطريق الأصح ...في ضل الأزمات، يزدهر خطاب التخويف، لأن الخائف يبحث عن قائدٍ لا عن حوار ومنطق،
والخائف يقبل الحلول السريعة حتى لو كانت مكلفة، ويستسلم لوعودٍ براقة ولو كانت غير حقيقية، لكن المجتمعات التي تختار طريق العقل تدفع ثمنا باهضا من الوقت والجدل والمحاولة، ثم تجني ثمار الاستقرار والعدالة.
حشد العقلاء يعني الاعتراف بالتعقيد والأزمات ويعني أن المشاكل لا تُحل بخطابٍ واحد، ولا تُختزل في شخصٍ واحد..... القيادة ليست للإستعراض، بل مسؤولية أخلاقية ومعرفية... القائد الذي يخاطب العقول يدرك أن الناس شركاء لا تابعون، وأن الولاء الحقيقي يُبنى على الكفاءة والإنجاز، لا على الخوف والترهيب.
أما الراعي الذي يعتمد على الكلب، فيدير الحشد بالخوف لا بالثقة... يخشى أن يتفرقوا إن توقف عن الصفير، أو أن يسألوا إن هدأ النباح، لذلك يبقيهم في حالة استنفار دائم... عدوٌّ هنا، مؤامرةٌ هناك، خطرٌ في الأفق... تأكدوا أن الاستنفار يحجب التفكير...
ومن يعتمد على الحمار ليقود القطيع لا يحتاج إلى صفيرٍ عالٍ، بل إلى اعتيادٍ طويل الأمد.... يُطبع الناس على الرتابة حتى يظنوا أن البطء استقرار، ويُقنعهم أن الدوران في المكان ذاته تقدّم مدروس....
هنا تكمن الخطورة..
الخوف يوقظ أحيانًا شجاعةً مضادة،
أما البلادة…. فتُميت الرغبة قبل أن تولد،
فالقطيع الذي يُقاد بالخوف قد يتمرّد حين يكتشف المبالغة، لكن القطيع الذي يُقاد بالبلادة… قد لا يكتشف ذلك لأنه لم يصل لوجهته الصحيحة ولا يعرف بالأصل ماهو الصحيح.
كم من جمعٍ اندفع إلى الوادي، لا لأن الطريق كان خفيًّا… بل لأن من تقدّمهم لم يُحسن قراءة الطقس ولا استشعار الخطر.
وكم من حشدٍ هوى في المنحدر، حين وثق بخطواتٍ ثقيلة لم تفرّق بين هدوءٍ عابر وعاصفةٍ على الأبواب.
وكم من مسيرٍ انتهى إلى الهاوية، لأن من قاده استهان بالريح، ولم يدرك أن تجاهل الإشارات أخطر من الجهل بها.
مشاركة عبر:
-
حين يكتب قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية…يكتب مستقبل الدولة -
الطفل الصائم -
سَدنةُ العقد والعهد: الملك والملكة نموذج السيادة وروح الأسرة -
المرحلة الذهبية لغرس القيم بالقدوة -
حد الحياة -
وجع الكرامة ورغيف الخبز .. بين مطرقة اللوم وسندان العجز -
قبل كأس العالم… الحكمة التي تسبق الاندفاع -
لغة الأم .. جسر التنوع وبناء المستقبل -
الابداع البشري في خطر -
الضمان: كارثة قادمة .. هل نصلح الصندوق بأعمار الأردنيين؟