الجمعية الشركسية العالمية: الواقعية السياسية في زمن الغوغاء الرقمية
أخبار هنا العالم - بقلم: د. علي كشت
في خضم التحديات البنيوية التي تعصف بالهوية الشركسية، غالبًا ما يُحمّل العمل المؤسسي القومي مسؤولية أكبر من إمكاناته الفعلية. وهنا تبرز الجمعية الشركسية العالمية كنموذج لفهم التوتر المزمن بين الواقعية السياسية والمثالية الثورية، بين منطق البناء الهادئ ومنطق الهدم الرمزي فالجمعية لم تُنشأ كمنظمة تحرير وطني أو كيان مقاومة، بل كإطار مدني ثقافي يعمل ضمن بيئة قانونية وسياسية معقّدة، تتطلب توازنًا الكلاسيكية.
ورغم هذه الشروط المقيدة، تمكنت الجمعية من تحقيق مكاسب لا يمكن تجاهلها:
١- توفير منصة جامعة للشعب الشركسي في الداخل والشتات.
٢- بناء قنوات تواصل رسمية ومجتمعية بين المهجر والوطن.
٣- الحصول من خلال منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة على أول اعتراف خارجي بالإبادة الجماعية الشركسية.
٤- إدراج اللغة الشركسية ضمن قائمة اللغات المهددة، ما يتيح فرص دعم ثقافي دولي.
٥- تنظيم مسابقات لغوية ضخمة، مثل المسابقة الأخيرة التي شارك فيها أكثر من 12 ألف شخص.
٦- إصدار قرار عن أكاديمية العلوم الروسية بتحديد المكون القومي الشركسي.
٧- تسجيل الزي الشركسي كلباس تراثي معترف به لدى اليونسكو.
لكن في المقابل، تُواجه الجمعية بحملات تشكيك منظمة تتبنى خطابًا عدميًا يرفض كل ما هو قائم دون تقديم بدائل عملية. وهنا تبرز العدمية السياسية (Political Nihilism) كإشكالية جوهرية في الوعي السياسي الشركسي المعاصر: رفض كامل للنظام والمؤسسات بدعوى أنها فاسدة أو عديمة الفائدة، دون امتلاك أدوات للبناء أو الرغبة في تقديم مشروع بديل. هي كراهية بلا خطة، وعدالة رمزية بلا
أدوات تنفيذ ومن مظاهر هذه العدمية ومآزقها البنيوية:
1. رمزية المقاومة بدلًا من الفعل.
2. التعلق بالمظلومية الدائمة دون مشروع.
3. غياب الواقعية السياسية، حيث تُطرح شعارات كبرى لا تصرف سياسيًا.
4. الجمود السياسي.
5. تفكك العلاقة بين الداخل والمهجر، وشيطنة البراغماتية المحلية.
6. إرهاق الهوية بالحزن الدائم.
7. "الغوغاء الذكية"، أي تلك الفئة التي تخلّت عن التنظيم والخطاب المؤسساتي، واحتلّت المشهد عبر الضجيج الرمزي والانفعال الجماهيري.
في هذا السياق، تبرز شخصية رئيس الجمعية الشركسية العالمية، حاوتي سخروقوه، كأحد أبرز ضحايا "التسقيط السياسي" الرقمي، حيث شُنّت ضده حملات تشويه ممنهجة، غالبًا بلا توثيق أو تحقق، منها اتهامه المزعوم بوصف شراكسة سوريا بـ"الإرهابيين" رغم غياب أي مصدر رسمي، بل وتناقض هذا الادعاء مع كون أحد أبرز مساعديه، عرفان برسيق، من شراكسة سوريا كما واجه سخروقوه جدلًا حول موقفه من الإحصاء السكاني الأخير في روسيا، حين دعا إلى الحفاظ على التسميات القومية المعتمدة قانونيًا (أديغه، قبرديني، شابسوغ...) محذرًا من أن استبدالها المفاجئ باسم "شركس" دون تعديل قانوني، قد يؤدي إلى أضرار مباشرة على المكتسبات المحلية كتمويل الخدمات أو حفظ الوضع القانوني للجمهوريات موقفه هذا لم يكن رفضًا للوحدة القومية، بل إدراكًا دقيقًا للواقع القانوني – فعدد المسجلين تحت تسمية "شابسوغ" مثلًا يؤثر على تمويل القرى المعترف بها رسميًا، وتسجيلهم تحت تسمية "شركس" فقط دون غطاء قانوني، قد يؤدي إلى تراجع عددهم الظاهري، ومن ثم خفض الدعم علاوة على ذلك، فإن سخروقوه ليس مجرد ناشط اجتماعي، بل يشغل موقعًا رسميًا حساسًا في اللجنة الرئاسية للعلاقات العرقية برئاسة الرئيس فلاديمير بوتين، كما شارك في مراجعة التعديلات الدستورية المتعلقة باللغات القومية، رغم صعوبة الظرف السياسي. ومن الإنصاف القول إنه حاول الحفاظ على الحد الأدنى من الحقوق، لا أنه صاغ السياسات المركزية ذاتها.
في ظل تصاعد دور وسائل التواصل الاجتماعي، بات التفاعل الرقمي اللحظي بديلاً عن التحليل العقلاني والعمل الميداني، وتحولت المنصات إلى ساحات افتراضية لمعركة لا تُخاض على الأرض. برزت فيها ما يمكن تسميته بـ"المعارك الدونكيشوتية"، وصعدت فئة "الغوغاء الذكية" التي تشكك في كل شيء، وتتهم الجميع، وتُقوّض النخب باسم الطهر الثوري.
النتيجة: تآكل الثقة، شلل المشروع القومي، وتحول الخطاب إلى سردية فشل مزمن. وبدلًا من بناء المؤسسات، نكتفي بإدانتها. وبدلًا من إنتاج المبادرات، ننشغل بتفكيك كل مبادرة.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة ردّ الفعل إلى مرحلة بناء عقل سياسي شركسي جديد، يقوم على:
البراغماتية الذكية لا المثالية الثورية والبدء بما هو ممكن، وتراكم المكاسب تدريجيًا دون خيانة المبادئ واستعادة مفهوم "المصلحة القومية" بدلًا من الانفعال الرمزي وإدراك أن الهوية لا تُحمى بالشعارات، بل تُصان عبر الإنجازات الواقعية ومواجهة العدمية السياسية كمشكلة، لا كشرط من شروط "النقاء القومي" وتوحيد الجهود بين الداخل والمهجر، وبناء نخب قادرة على التأثير لا التصادم.
لقد آن الأوان للكفّ عن إعادة إنتاج المقولة المأساوية:
"الشراكسة يريدون وطنًا ليبكوا عليه، لا وطنًا ليعيشوا فيه."
ان الأوان ان ينتهي احتكار الماضي للمستقبل وان يبدأ الشراكسة بعشق الحياة بدل عشق الموت.
مشاركة عبر:
-
ملفات جيفري اوبستن...التوقيت وخرائط التحولات القادمة -
إدارة الألم… المعركة الصامتة التي لا يربحها الضعفاء -
دور الأب والأم في المراهقة.. رعاية النفس والجسد معاً -
العزلة في الأدبيات العربية والغربية -
بين نصّ القانون وإرادة الحزب… من يملك المقعد النيابي؟ -
شماعة المدربين -
"أمّ الجامعات" .. حيث لا يُدار الإبداع إلّا بإبداع -
التفكير المفرط في العصر الرقمي -
الفريق إحسان شردم: الطيار الذي فهم معنى الارتفاع -
سياسة بلا ساسة...المنصات تسيطر...والاحزاب تتفرج