العزلة في الأدبيات العربية والغربية
أخبار هنا العالم - د. كمال عبدالملك
ليست حياة العزلة نزوةً عابرة، بل تجربة فكرية وأخلاقية عميقة تتكرر عبر الثقافات، كما تكشف ثلاثة أعمال كبرى متباعدة في الزمان والمكان: «تدبير المتوحّد» لابن باجة الفيلسوف الأندلسي العربي، و«والدن» لهنري ديفيد ثورو، الأميركي، و«روبنسون كروزو» لدانييل ديفو، الإنجليزي.
يرى ابن باجة (ت: 1139) العزلة ليست انسحاباً من العالم بقدر ما هي صيانة للروح حين تضيق المدينة بفضيلتها. فالمتوحِّد عنده يقف حارساً على عقله في زمن تختل فيه الموازين، فيعتزل ضجيج الفساد ليحفظ صفاء البصيرة وكرامة الإنسان. إنه يعيش على حافة المدينة لا هرباً منها، بل انتظاراً لمدينة أعدل؛ فإذا صلحت الجماعة زال سبب التوحّد، لأن الإنسان - في جوهره - مخلوق مدني لا يكتمل إلا مع الآخرين.
أما ثورو (ت: 1862) فيجعل تجربةَ العيش في الغابة اختباراً للحدّ الأدنى الذي يحتاجه الإنسان ليكون حرّاً، فيجرد حياته من الزوائد. عيشه المنفرد ليس فقراً بل تحرّر، وليس انقطاعاً بل إصغاء؛ إذ يتعلّم أن الاستقلال يبدأ بالاكتفاء بما هو ضروري للعيش.
في رواية «روبنسون كروزو» لدانييل ديفو (ت: 1731) تتحول العزلة إلى اختبار لصلابة الإنسان وقدرته على تدبير حياته، فيفلح الأرض ويبني مأواه بيديه. غير أن وحدته لا تفصله عن عالمه القديم؛ إذ يحمل معه منطق حضارته ونزعة السيادة، فيتعامل مع الجزيرة ملكاً لا ساكناً. وحين يظهر فرايداي من أبناء الكاريبي، ينقذه روبنسون من الموت ليجعله تابعاً مخلصاً، صورةً لـ«الآخر المُستأنَس» الشخصية النمطية في الأدبيات الأوروبية.
ومع اختلاف الدوافع - حماية العقل عند ابن باجة، واختبار الحرية عند ثورو، والبقاء المقترن بمنطق السيطرة الذي يذكّر بتاريخ الاستعمار الغربي عند ديفو - تقدّم الكتب الثلاثة سؤالاً واحداً: هل تكشف العزلة حقيقتنا العميقة أم تُعيد تشكيلها على نحو مُربك؟ وفي زمن تتكاثر فيه الشاشات والرسائل والروابط بينما يشتد شعور الإنسان بالوحدة الداخلية، تبدو هذه النصوص كأنها كُتبت اليوم لا أمس؛ فهي تضعنا أمام مرآة صافية وقاسية في آنٍ واحد. ابن باجة يذكّرنا بأن الانسحاب قد يصبح فعل كرامة حين يختل ميزان العدالة في مجتمعات البشر، وثورو يهمس لنا بأن الحرية تولد حين نتخفف من أثقال حياة الاستهلاك ونصغي إلى إيقاع الطبيعة، بينما يكشف ديـفو الحقيقة الأكثر إزعاجاً؛ وهي أن الإنسان، حتى وهو وحيد على جزيرة نائية، لا يترك مجتمعه خلفه، بل يحمله معه في لغته وقيمه ونظرته للآخر.
مشاركة عبر:
-
دور الأب والأم في المراهقة.. رعاية النفس والجسد معاً -
بين نصّ القانون وإرادة الحزب… من يملك المقعد النيابي؟ -
شماعة المدربين -
"أمّ الجامعات" .. حيث لا يُدار الإبداع إلّا بإبداع -
التفكير المفرط في العصر الرقمي -
الفريق إحسان شردم: الطيار الذي فهم معنى الارتفاع -
سياسة بلا ساسة...المنصات تسيطر...والاحزاب تتفرج -
الساعة الضائعة -
ذكرى الوفاء والبيعة… التنمية نهجٌ راسخ ومسيرة تتواصل -
ذكرى الوفاء والبيعة: عمل حزبي وطني يعكس الولاء الحقيقي