من هارفارد إلى الإمارات
أخبار هنا العالم - د. كمال عبدالملك
ليست كل المكتبات متشابهة، كما أن الكتاب ليس مجرد وعاء للكلمات؛ ففي بعض المؤسسات يتحول الورق إلى ذاكرة حية، وتصبح الصفحة أثراً ثقافياً يُقرأ بالعين واليد معاً. هذا المعنى يتجسد بوضوح في مكتبات جامعة هارفارد، حيث لا تُعرض الكتب بوصفها مصادر معلومات فحسب، بل بوصفها أعمالاً فنية وتقنية وتاريخية تكشف كيف تخيّلت الأجيال عبر العصور علاقة الإنسان بالمعرفة والزخرفة والجمال.
عند التجول بين خزائن هارفارد النادرة، يكتشف الزائر أن قيمة الكتاب تكمن في مادّيته ذاتها: في طباعته، طيّاته، زخارفه، وآليات اشتغاله البصري. فكتاب الطب التشريحي الألماني Catoptrum Microcosmicum الذي صدر عام 1619 لا يقدّم رسوماً ثابتة للجسم البشري، بل طبقات متحركة تفتح الجسد كما لو كان مسرحاً للعلم، بحيث يتحول التعليم إلى تجربة حسية وجمالية في آن.
وما يلفت النظر في هذه المجموعات ليس الجمال فقط، بل تاريخ الإتاحة أيضاً. فهارفارد تحتفظ بمطبوعات مبكرة صُممت للمكفوفين قبل برايل، مثل نظام الحروف البارزة «ألستون تايب» وأبجدية «مون»، بما يعكس وعياً مبكراً بأن المعرفة حقّ للجميع.
حين ننتقل إلى المشهد الإماراتي والخليجي، يتضح أن ما تحقق خلال العقدين الأخيرين ليس تفصيلاً عابراً، بل تحوّل استراتيجي في فهم يمثل إضافة نوعية لوظيفة المكتبة. فمكتبة محمد بن راشد، ودار الكتب الوطنية في أبوظبي، ومكتبة الموروث في الشارقة وما تحويه من نوادر العلوم وفرائد الكتب في شتى مجالات المعارف والفنون، لم تكتفِ بحفظ المخطوطات والوثائق، بل قدمت بنية متقدمة للرقمنة، والفهرسة، وإتاحة المصادر للباحثين والجمهور، مع برامج ثقافية جعلت المكتبة فضاءً حيّاً للنقاش والتعلّم.
ومع ذلك، تفتح المقارنة مع هارفارد أفقاً إضافياً للمكتبات الإماراتية: توسيع مفهوم «الكتاب النادر» ليشمل كتباً تفاعلية وتجريبية، وطبعات فنية عربية معاصرة، ومشاريع تصميم تجمع المخطوط بالحداثة، والتراث بالغرافيك، والمعرفة بالتقنية. كما يمكن تطوير مجموعات تُبرز تاريخ الطباعة العربية بوصفه فناً بصرياً وثقافة مادية لا مجرد حرفة تقنية.
الفرصة اليوم أمام المكتبات الإماراتية هي أن تنتقل من دور الخزانة الحافظة إلى دور المختبر الثقافي الذي يعيد تخيّل الكتاب العربي للمستقبل. فكما تعرض هارفارد الكتاب كأثر حي يتكلم بالصور والطيّات والأحجام، تستطيع مكتباتنا أن تجعل التراث العربي خبرة ملموسة يلتقي فيها الباحث مع الفنان، والقارئ مع المصمم، والذاكرة مع الابتكار، من دون أن نفقد دفء الورق وعمق التاريخ وروح الإبداع في زمنٍ رقمي متسارع.
مشاركة عبر:
-
منطق المنظومة: كيف تدير الإمارات اقتصادها بعقل واحد -
جرّب برع الإمارات -
استشراف حكومات المستقبل -
قائدة شبابية تصنع الأثر في عجلون.. سهير القضاة -
لماذا «بروبتيك كونيكت»؟ -
أنْتُنّ صانعات الغد -
طلال… حين يبدأ الكلام من العزاء -
سياسات ترامب تعيد رسم مستقبل الدولار والعالم الى المجهول! -
لا تتملّق كي لا تتسلّق… فبعض القمم مبنيّة من ذُلّ -
أحمد عبيدات: مسيرة رجل دولة وإرث وطني في تاريخ الأردن