فتاة اليوم.. أمّ الغد
أخبار هنا العالم - الدكتورة سميرة النعيمي
لا تبدأ رحلة الأسرة عند الزواج، ولا عند انتظار مولود جديد، بل تمتد جذورها إلى طفولة فتاة صغيرة تُبنى صحتها، وتتشكّل قيمها، ويُصاغ وعيها بذاتها وبالعالم من حولها، فكل عادة صحية تكتسبها، وكل دعم عاطفي تتلقاه، وكل بيئة آمنة تنشأ فيها، تتحول مستقبلاً إلى أساس تستند إليه في بناء أسرتها بثقة واستقرار.
في دولة الإمارات، شكّل الاستثمار في الطفولة، للبنين والبنات، جزءاً أصيلاً من رؤية الدولة لبناء الإنسان. ومع إعلان عام 2026 «عام الأسرة»، يُصبح الاهتمام بصحة الفتاة ونموّها النفسي والبدني، جزءاً من استراتيجية وطنية، ترى في الطفولة أساساً لجودة الحياة، وفي الفتاة ركناً محورياً في دورة الحياة الأسرية.
إن التغذية السليمة، والنمو البدني الصحي، والمتابعة الطبية المنتظمة في مرحلة الطفولة، لا تُشكّل رفاهية، بل هي إعداد طويل المدى لمرحلة الأمومة لاحقاً، فالفتاة التي تنشأ على تغذية متوازنة غنية، وتمارس الرياضة بانتظام، وتتبنّى نمط حياة صحياً، تصبح في المستقبل أمّاً أكثر قدرة على خوض تجربة الحمل بأمان وصحة أفضل. وتشير أبحاث علمية عديدة إلى أن نمط حياة الطفلة قبل سن المراهقة يرتبط مستقبلاً بصحتها الإنجابية، وقدرتها على تجنّب المضاعفات. ومن هنا زادت أهمية الفحص الدوري وبرامج التوعية الصحية المتخصصة لكل مرحلة، وبرامج التغذية السليمة، وغيرها من المبادرات التي تدعم هذا الجانب.
ومثلما أن صحة الجسد مهمة، فإن صحتها النفسية لا تقل أهمية، فالفتاة التي تُعامل باحترام، وتجد من يستمع إليها، وتُشجَّع على التعبير واتخاذ القرار، تُصبح امرأة أكثر اتزاناً، وأمّاً قادرة على توفير بيئة أسرية مستقرة. في المقابل، يترك التنمر وغياب الدعم آثاراً طويلة قد تمتد إلى أسلوب تربيتها لأطفالها في المستقبل، ولهذا أصبحت الصحة النفسية المدرسية أحد محاور السياسات التعليمية. تلعب الأسرة الدور الأول في تشكيل وعي الفتاة، وتكمل المدرسة هذا الدور، وعندما تتكامل هذه الأدوار، تنشأ فتاة قوية، واثقة، تعرف قيمة صحتها، وتفهم ذاتها، وتمتلك مهارات الحياة التي تحتاج إليها لاحقاً، لتكون ركيزة في أسرتها المستقبلية.
حين نعتني بالفتاة في طفولتها، فإننا لا نرعى مرحلة عابرة من عمرها، بل نرعى أسرة بكاملها قبل أن تتشكل، ونبني في داخلها أسس الصحة، والمناعة النفسية، والوعي، والثقة، لتستمر دورة الحياة الأسرية قوية ومتوازنة.
فالاهتمام بالفتاة ليس رعاية لطفلة فحسب، بل رعاية لأسرة المستقبل قبل أن تتشكل، وبقدر ما تُمنح اليوم من محبة وثقة ووعي.. تمنحه غداً لأسرتها ومجتمعها.
*نائب مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية - قطاع الخدمات المساندة
مشاركة عبر:
-
شروط الرئيس ترامب الحاسمة ترسم مستقبل العراق الجديد -
العنف ضد المرأة بين الوعي والعلاج -
مدينة عمرة .. مدينة تُبنى للغد وتبحث عن ذاكرتها -
المشاركة الاقتصادية للمرأة الأردنية على أجندة البنك الدولي -
البعد النفسي في الإبداع الأدبي -
التزوير على الطريقة الحديثة -
د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد -
سباق السماء الجديدة.. اقتصاد الطيران -
المدير «السيكوباتي».. الفشل على شكل إنسان -
العيون الساهرة في قلب الشعب وفكره