Main Logo

اخبار هنا العالم

اخبار هنا العالم

الضمان الاجتماعي… من يحمي من؟


الجمعة   16:21   20/02/2026
الضمان الاجتماعي… من يحمي من؟

أخبار هنا العالم - أ.د وفاء عوني الخضراء

ليست قضية التقاعد مسألة أرقام تُعاد صياغتها في قانون، ولا هي معادلة حسابية تُضبط بقرار تشريعي فحسب. إنها مرآة تعكس نمطًا أوسع في إدارة الموارد، وسؤالًا عميقًا حول كيفية إنفاقنا، وأين نضع أولوياتنا، وما إذا كنا نقيس أثر ما نصرفه قبل أن نطالب الناس بتحمل كلفة الإصلاح.

حين يُطرح تعديل قانون التقاعد تحت عنوان حماية استدامة أموال الضمان الاجتماعي، فإن الهدف في جوهره وطني بإمتياز. لا أحد يختلف على ضرورة صون الصندوق من مخاطر مستقبلية أو من احتمالات العجز. لكن الاستدامة لا تُبنى فقط عبر تقليص المنافع أو إعادة هيكلة الاشتراكات، بل تبدأ من مساءلة المسار الذي أوصلنا إلى هذه اللحظة.

على امتداد سنوات، توسّع الإنفاق العام في مسارات متعددة: مؤتمرات، منتديات، ورش عمل، إطلاق استراتيجيات، لقاءات تشاورية، ومبادرات احتفالية،الخ. قد يكون لبعضها أثر إيجابي لا يُنكر، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا: ما الكلفة التراكمية لهذه الأنشطة؟ وما هو العائد التنموي والاجتماعي الفعلي والقابل للقياس؟ كم استراتيجية أُطلقت دون أن تتحول إلى برنامج تنفيذي مستدام؟ وكم توصية بقيت حبيسة الأدراج؟

المشكلة ليست في الاجتماع بحد ذاته، ولا في الفكرة، ولا في النية. المشكلة في غياب ثقافة القياس الصارم للأثر، وفي ضعف الربط بين الإنفاق والنتائج، بين الإعلان والتنفيذ، بين الرؤية والميزانية. الإصلاح الحقيقي يبدأ حين ننتقل من منطق "الصرف" إلى منطق "الاستثمار" ، ومن ثقافة الفعالية الشكلية إلى ثقافة الجدوى المحسوبة.

إن مقاربة الموضوع باعتباره تحديًا يمس فئة بعينها، سواء كانوا متقاعدين أو نساء أو أي شريحة محددة، لا تعكس طبيعته الحقيقية. المسألة أوسع من تصنيف فئوي، وهي شأن يتطلب قرارًا جمعيًا رشيدًا، لأن أثره يتقاطع مع مختلف التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي نواجهها. فالسياسات المتعلقة بالاستدامة المالية لا تنفصل عن واقع الشباب الذين تخرجوا منذ سنوات دون أفق مهني واضح أو فرصة عمل كريمة، ولا عن شعور متنامٍ بفقدان المعنى. كما لا يمكن عزلها عن تصاعد ظواهر مقلقة كالإدمان والتدخين والانسحاب من الفضاء العام أو العبث به. هذه ليست قضايا جانبية، بل إشارات بنيوية إلى خلل في ترتيب الأولويات وفي توجيه الموارد نحو الاستثمار الحقيقي في الإنسان. ومن هنا، فإن أي قرار في هذا السياق ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره قرارًا وطنيًا شاملًا، يمس الحاضر والمستقبل معًا.

ومن هنا، فإن من أخطر ما يمكن أن يتسلل إلى وعينا العام هو تكريس ثنائية متوهمة بين "مصلحة المواطن" و"مصلحة الدولة"، وكأنهما مساران متوازيان أو متعارضان. في الحقيقة، لا استدامة للدولة دون حقوق مصانة لمواطنيها، ولا حماية لحقوق المواطنين دون مؤسسات دولة قوية ومستقرة. المطلوب أن تُردم هذه الفجوة الذهنية، وأن نعيد توجيه البوصلة نحو غاية واحدة: الصالح العام. نحن لسنا قطاعات متنازعة، بل نسيج واحد، تتكامل فيه الأدوار. وإذا وُجدت تقسيمات، فلتكن تقسيمات وظيفية تنظّم العمل، لا انقسامات تُنتج صراعًا.

نحن بحاجة إلى أن يلتقي عقل الدولة بعقل المواطن، لا أن يقفا في مواجهة دائمة وكأنهما طرفان متنازعان. المطلوب أن يتحولا إلى وعيٍ متبادل التكوين، يتغذى كل منهما من الآخر ويصححه، بحيث تصبح السياسات انعكاسًا حقيقيًا لنبض المجتمع، ويصبح سلوك الأفراد امتدادًا لمسؤولية الدولة. حينها لا يعود القرار العام مفروضًا من أعلى، ولا المطالبة الشعبية مجرد ضغط من أسفل، بل يتشكل مسار مشترك يقوم على الثقة، والتكامل، والإحساس بأن المصلحة العامة هي الإطار الجامع الذي يوجّه الجميع.


إنها لحظة تاريخية يمكن أن تجمعنا حول حلول فعالة ومستدامة، بدل أن تتحول إلى ساحة سجال يسعى فيها كل طرف إلى بطولة خطابية أو مجد عابر. الإصلاح ورشة وطن.

الاقتصاد الذي نحتاجه اليوم هو اقتصاد التضامن، لا اقتصاد الامتيازات المكتسبة؛ اقتصاد يوازن بين الحقوق والواجبات، بين الاستحقاق والمسؤولية. حين نؤمن بأن هذا الوطن بيت للجميع، وملاذ للنزاهة، فإن كل مسؤولية تُمنح لنا ستُصان ولن تُساء إدارتها.

القرار المالي ليس قرارًا تقنيًا معزولًا؛ إنه قرار أخلاقي وتنموي في آنٍ معًا. وكل دينار يُصرف يجب أن يُسأل: هل يضيف قيمة حقيقية لحياة الناس؟ هل يعزز الاستقرار؟ هل يبني قدرة وطنية مستدامة؟

نحن بحاجة إلى عقلٍ اقتصاديٍّ عابر للتخصصات، لا يقرأ الواقع من أبراج النظريات اللامعة، ولا يكتفي بمنحنيات بيانية أنيقة أو تقارير صادرة عن مؤسسات مرموقة، بل ينطلق من معاناة الناس على الأرض ومن تعقيدات الحياة اليومية كما تُعاش لا كما تُتخيَّل. هناك فرق جوهري بين حلول مُتخيَّلة تُصاغ على الورق، وحلول حقيقية تُختبر في الميدان؛ وبين واقع يُفترض في العروض التقديمية، وواقع يُعاش بتحدياته وآلامه. هذا العقل هو الذي يضع الكرامة إلى جانب الكلفة، ويوازن بين استدامة المال واستدامة المجتمع، مدركًا أن حماية الضمان هي حماية للإنسان، وأن إعادة ضبط الإنفاق ليست تقشفًا، بل إعادة ترتيب واعية للأولويات تنبع من الفهم العميق.



مشاركة عبر: